الغزالي
63
الأربعين في اصول الدين
القسم الثالث في تزكية القلب عن الأخلاق المذمومة قال اللّه تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [ الأعلى : 14 ] ، وقال : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [ الشمس : 9 ] . والتزكية هي التطهير . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « الطهور شطر الإيمان » . فافهم منه أن كمال الإيمان ، بتزكية القلب عما لا يحبه اللّه عز وجل ، وتحليته بما يحبه اللّه ؛ فالتزكية شطر الإيمان . وكيف يشتغل بالطهارة من لا يعرف النجاسة . فلنذكر الأخلاق المذمومة ، وهي كثيرة ، ولكن نحتاج أن نردّ شعبها إلى عشرة أصول : الأصل الأول شره الطعام : وهو من الأمهات ؛ لأن المعدة ينبوع الشهوات ، إذ منها تتشعب شهوة الفرج . ثم إذا غلبت شهوة المأكول والمنكوح ، يتشعب منها شره المال ، إذ لا يتوصل إلى قضاء الشهوتين إلا به . ويتشعب من شهوة المال شهوة الجاه ، إذ يعسر كسب المال دونه . ثم عند حصول المال والجاه وطلبهما ، تزدحم الآفات كلها ، كالكبر والرياء والحسد والحقد والعداوة وغيرها . ومنبع جميع ذلك البطن ؛ فلهذا عظّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر الجوع ، فقال عليه السلام : « ما من عمل أحبّ إلى اللّه تعالى من الجوع والعطش » ، وقال : « لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه » ، وقال عليه السلام : « سيد الأعمال الجوع » ، وقال عليه السلام : « الفكر نصف العبادة ، وقلة الطعام هي العبادة » ، وقال عليه السلام : « أفضلكم عند اللّه تعالى أطولكم جوعا وتفكرا ، وأبغضكم إلى اللّه تعالى كلّ أكول شروب نئوم « 1 » » ، وقال عليه السلام : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه ، حسب
--> ( 1 ) نئوم : كثير النوم .